الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
252
انوار الأصول
قلنا : إنّ الأنصاري لمّا رفع شكواه إلى النبي الأعظم واستدعى النبي سمرة وأمره بالاستئذان عند الدخول وقد كان رجلًا مضارّاً تخلّف عن حكمه ، مسّت الحاجة إلى تأديبه ، فأصدر حكمه السياسي لحفظ النظام وأمر بقلعها ورميها إلى وجهه ، ثمّ علّل هذا الحكم التأديبي بالحكم السياسي الكلّي وأنّه لا ضرر ولا ضرار ، وعلى هذا تتوافق الجمل ويتّضح التناسب بين المعلول ( قلع الشجرة ) وتعليلها ( لا ضرر ولا ضرار ) بلا أدنى تكلّف ، فإنّ كلًا من المعلول وعلّته حكم سياسي تأديبي . ثمّ ذكر قدّس سرّه الشريف في بعض كلماته أنّ نتيجة هذا القول كون القاعدة حكماً صدر من ناحية الحاكم الشرعي لتحديد قاعدة السلطنة فحسب ، فلا حكومة لها على سائر الأحكام الوضعيّة والتكليفية . ( انتهى ) « 1 » . أقول : يمكن المناقشة في كلامه رحمه الله من عدّة جهات : الجهة الأولى : في الفرق بين الأحكام الإلهيّة والأحكام السلطانيّة ، والحقّ فيه أنّ الأحكام السلطانيّة ليست في عرض الأحكام الإلهيّة بل إنّها في طولها لأنّ الأحكام الإلهيّة أحكام كلّية وردت على موضوعات كلّية ، ولكن الأحكام السلطانيّة أحكام جزئيّة إجرائيّة لأنّ إجراء الأحكام الكلّية الإلهيّة وتحقيقها في الخارج لا يكون إلّا بتأسيس الحكومة ، فينفتح حينئذٍ باب الولاية ، ويكون الوالي فيه شخص النبي صلى الله عليه وآله وغيره من الأوصياء ، وفي زمن الغيبة الفقيه الجامع للشرائط ، ووظيفة الوالي فيه تشخيص موارد الأحكام الكلّية الإلهيّة وتطبيقها على مصاديقها الجزئيّة الشخصية ، فالأحكام السلطانيّة أحكام تصدر من جانبه في سبيل إجراء تلك الأحكام الإلهيّة الكلّية ، وذلك كالأحكام التي تصدر منه لنصب الولاة وامراء الجيوش وعمّال الصدقات وتهيئة العُدّة والعِدّة لدفع الأعداء وغيرها ممّا تختلف بحسب الأزمنة والظروف ، فالوالي يتوصّل بهذه الأحكام إلى إجراء أحكام اللَّه في أمر الجهاد والزكوات والقضاء وغيرها من الأحكام الكلّية الإلهيّة . ومن الواضح أنّ إجراء حكم الجهاد مثلًا وتطبيقه في الخارج لا يتمّ بمجرّد الوعظ والإرشاد ، بل يحتاج إلى ولاية وحكومة ، وأمر ونهي ، ونصب أمير وتهيئة عِدّة وعُدّة ، وبرامج
--> ( 1 ) راجع تهذيب الأصول : ج 2 ، ص 481 - 492 ، طبع جماعة المدرّسين .